تم اختيار فيلم «العودة إلى الديار» للمخرج نيراج غايون في قسم العروض الخاصة ضمن الدورة 46 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذي يقام من 12 إلى 21 نوفمبر 2025. الفيلم الذي بدأ مسيرته في مهرجان كان السينمائي في 21 ماي 2025 ضمن قسم «نظرة ما»، حيث استقبل بتصفيق حار دام تسع دقائق. ورغم هذا الحماس، لم يتم اختياره من قبل لجنة التحكيم في كان، ربما بسبب طابعه الميلودرامي الذي نادرًا ما يجذب لجان التحكيم الغربية. اليوم، يعود هذا العمل الهندي إلى القاهرة محاطًا باعتراف متزايد، حيث تم اختياره أيضًا لتمثيل الهند في جوائز الأوسكار 2026 في فئة أفضل فيلم دولي.
يروي الفيلم قصة صديقين من الطفولة من قرية صغيرة في شمال الهند يحلمان بالحصول على وظيفة في الشرطة، رمز الكرامة التي حُرما منها دائمًا. لكن مع اقترابهما من تحقيق هدفهما، تهدد الهشاشة واليأس الرابط العميق الذي يجمعهما.
بعد عشر سنوات من فيلم «ماسان»، يعود نيراج غايون بفيلم «العودة إلى الديار » الذي يتميز بدقة نادرة، خالٍ من أي مجاملة، حيث تصبح المادة الاجتماعية خيالًا ذا كثافة كبيرة. الفيلم من إخراج وكتابة غايون، ومن إنتاج دارما برودكشنز (كاران جوهر، سومن ميشرا، أبورفا ميهتا) ورافقه في مراحل الكتابة والمونتاج مارتن سكورسيزي كمنتج تنفيذي، مما يؤكد من الوهلة الاولى على طموح فني وأخلاقي فريد.
يتطور السرد في جزأين مختلفين بوضوح وذو وزن درامي غير متكافئ. الجزء الأول يرسخ الخيال في الحياة اليومية للشخصيتين الرئيسيتين: شعيب (الشاب المسلم) وشاندان (الشاب الداليت)، أصدقاء الطفولة من قرية في شمال الهند، يجمعهما حلم بسيط وجذري في آن واحد — الانضمام إلى الشرطة للخروج من الهشاشة والمطالبة بشكل من الكرامة الاجتماعية. يعمل هذا الجزء الافتتاحي على المادة الاجتماعية للفيلم: محادثات حول الحياة والمستقبل، تكرار الإهانات العادية التي يفرضها النظام الاجتماعي، تبادلات صغيرة من العاطفة والغيرة بين الأصدقاء، مشاهد منزلية تكشف عن علاقات القوة داخل العائلات والقرية. يأخذ غايون الوقت لإظهار الآلية اليومية للتهميش — النظرات، الرفض الضمني، الفرص الضائعة — لتأسيس التكوين الاجتماعي الذي سيجعل الجزء الثاني مأساويًا.
ينقلب الجزء الثاني عندما تضرب جائحة كوفيد-19: محاصرين بعيدًا عن منزليهما، يُجبر الشابان على العودة مع آلاف العمال المهاجرين الآخرين. هنا يتحول الفيلم إلى فيلم طريق ببطء لا يرحم، احداث يومية من الانهاك والتهميش. يعتمد غايون على المادة الصحفية الأصلية (تقرير بشارات بير، 2020، الذي ألهم المشروع)، ويحول مسيرة المهاجرين نحو القرى الأصلية إلى خيال، مما يجعل التأثير المادي للحجر الصحي مرئيًا — الجوع، العطش، الطوابير التي لا تنتهي، الرفض الإداري، الرقابة البوليسية، الأمراض غير المعالجة. لا تخفف الكاميرا شيئًا: لقطات ثابتة على الانتظار، لقطات قريبة على الوجوه المنهكة، أوقات استراحة لا تنتهي تعبر عن الاستنزاف. من خلال هذا البناء في فصلين، يظهر الفيلم أولاً ما يمكن أن يخسره هؤلاء الرجال، ثم ما يسلبه منهم المجتمع عندما ينغلق على نفسه في أوقات الأزمات.
يتجاوز الفيلم القوة الدرامية للنص، حيث يفرض قراءة سوسيولوجية دقيقة: العنصرية ضد المسلمين ليست مجرد لقطة عرضية بل خط سردي منتظم يعبر الخيال. شعيب، كشخصية مسلمة، يتعرض للتشكيك المتكرر في مصداقيته، ورفض المساعدة بشكل متكرر، والتعتيم على التعنيف الذي يتعرض له. لا يضخم غايون الإسلاموفوبيا بعروض رمزية كبيرة؛ بل يظهرها في أشكالها العادية — الشكوك الإدارية، التعليقات الصغيرة، التهميش الصامت — وفي عواقبها الملموسة عندما تتخلى الدولة عن دورها. تترافق هذه العنصرية ضد المسلمين على الشاشة مع أشكال أخرى من الوصم: يصبح الدين عاملًا مضاعفًا للعقبات في مواجهة الأزمة الصحية. أكثر من مجرد موضوع إضافي، الدين يشكل مسارات مختلفة داخل نفس رحلة النزوح.
بالتوازي، يتم التعامل مع نظام الطبقات بنفس الحدة التحليلية: يحمل شاندان على جسده وفي تفاعلاته ذاكرة التخصيص الاجتماعي. يظهر الفيلم الطبقة ليس كفولكلور سوسيولوجي بل كبنية تحتية نشطة للعلاقات الاجتماعية المعاصرة: الحصول على عمل، الكرامة المؤسساتية، استجابة الشرطة، وتوزيع المساعدات أثناء الأزمة. الإهانات العامة التي يتعرض لها شاندان تعيد إلى الأذهان تاريخًا من التهميش الممنهج الذي تقاس آثاره يوميًا وفي العنف الإداري الذي يمارس في وقت الحاجة. لا يفصل غايون بين الطبقة والدين في خانات مغلقة؛ بل يظهر كيف تتقاطع هذه الفئات وتعيد تنظيم نقاط الضعف في أوقات الأزمات.
العلاقة بين شعيب وشاندان هي المحور الأخلاقي والعاطفي للفيلم. تُصور صداقتهما دون مثالية: تلتقط الكاميرا التضامن المكون من حركات صغيرة — مشاركة وجبة، حماية من معتدٍ، كلمات مواساة — ولكن أيضًا الشروخ التي تظهر عندما تبدو حياة أحدهم تنفتح لفرصة والآخر يبقى مستبعدًا. يتساءل غايون، دون رحمة، عن ثمن النقلة الفردية: قد يعني الصعود المتاح لأحدهم التدهور الجسيم لرابط الأخوة الذي تكوّن اثناء الصمود من اجل البقاء. السؤال الأخلاقي الذي يطرحه الفيلم بسيط ومروع: ماذا يحدث للتضامن عندما يستوجب البقاء الخيانة؟ كفاءة فيشال جيثوا وإيشان ختار، التي أشاد بها النقاد، اعطت لهذه المعضلات واقعية محسوسة وتجنبت المبالغة العاطفية.
على المستوى الشكلي، يختار غايون إخراجًا بسيطًا ولكنه حاد: تصوير قريب من الوجوه، مونتاج يوصل الاحساس ببطء مرور الوقت، موسيقى بسيطة تتجنب المبالغة. ينجح هذا التمشي لأنه يتماهى تمامًا مع مادة الفيلم: تراكم الاعتداءات الصغيرة يخلق، من خلال الجمع، كثافة أثقل من أي تصاعد درامي. تظهر بعض المشاهد «الانفجارية» — المواجهات، الإهانات العامة، لحظات القطيعة — كنقاط تحول، تجعل ثمن ما تسبب فيه الكبح يدفع بالعاطفة.
أخيرًا، يثبت «العودة إلى الديار » نفسه كوثيقة أخلاقية لزمنه: بعيدًا عن الإدانة السطحية، يقدم الفيلم مقارنة بين الهياكل التي تنتج الضعف والحياة الداخلية للشخصيات التي تعاني منها. من خلال تصوير الجائحة كمحفز للإقصاءات الموجودة مسبقًا، يدعو غايون إلى التفكير في الأزمة ليس كحدث معزول بل كعدسة تكشف عن التسلسلات الهرمية الموجودة بالفعل. يترك الفيلم القليل من الراحة للمشاهد؛ يتطلب انتباهًا مستمرًا واستعدادًا للاعتراف بالظلم كنظام وليس كخلل عابر.
«العودة إلى الديار » ليس فيلمًا ممتعًا للمشاهدة بمعنى الترفيه؛ إنه ضروري. نجاحه يكمن في التوازن الدقيق بين الدقة الوثائقية، قوة التعاطف، والمتطلبات الجمالية. من خلال تكريس انتباهه للإهانات الصغيرة التي تشكل وضع المنبوذين، يبني نيراج غايون حكاية معاصرة — متجذرة في واقع حقيقي وقوية بفضل الانتباه للتفاصيل — ستظل مرجعًا للتفكير في التأثير الإنساني للحجر الصحي وإعادة التشكلات الاجتماعية التي كشفها.
نائلة إدريس
نقاش حول هذا المنشور